Group of people gathered by a rustic wooden fence.

(صنع احتياج مصطنع)، هي استراتيجية تجارية نقدر نقول عنها ماكرة تقوم على مبدأ بسيط: تخلق مشكلة، ثم تبيع الحل. بس المكر الحقيقي تكمن في إنك ما تكتفي بحل المشكلة، بل تخلي الزبون معتمد عليك لدرجة إنه ما يقدر يستغني عنك أبداً.

لعبة الاحتياج: هنا تتعلم كيف تصنع طغيان تجاري

في عالم التسويق والأعمال، هناك استراتيجيات تبان في ظاهرها بريئة وذكية، لكنها في الواقع تمثل أسوء و أشرس أشكال الهيمنة التجارية التي عرفتها البشرية. واليوم راح نتعلم من أستاذ هذه اللعبة - شركة مونسانتو - وكيف تصنع احتياج مصطنع وتبيع الحل، وتخلي العالم كله يسايرك من غير رضاه.

ما هي لعبة الاحتياج؟

لعبة الاحتياج، أو كما يسميها خبراء التسويق (صنع احتياج مصطنع)، هي استراتيجية تجارية نقدر نقول عنها ماكرة تقوم على مبدأ بسيط: تخلق مشكلة، ثم تبيع الحل. بس المكر الحقيقي تكمن في إنك ما تكتفي بحل المشكلة، بل تخلي الزبون معتمد عليك لدرجة إنه ما يقدر يستغني عنك أبداً.

الفكرة ماهي جديدة، لكن مونسانتو أتقنتها لدرجة إنها صارت مرجع لكل من يبغى يتعلم كيف يسيطر على السوق بطريقة (قانونية) على الورق.

قصة مونسانتو: من مبيد إلى السيطرة على الغذاء

البداية النبيلة: راوند آب المعجزة

في السبعينات، طورت مونسانتو مبيد أعشاب اسمه "راوند آب" (Roundup). المبيد كان فعلاً ممتاز يقتل. الأعشاب الضارة ويخلي المحاصيل نظيفة. لكن كان فيه مشكلة وحدة: المبيد يقتل بشكل عشوائي وممكن ياثر على المحاصيل نفسها إذا لامسها.

هنا بدأت اللعبة الحقيقية. بدل ما تحل مونسانتو هذه المشكلة بتطوير مبيد أفضل، قررت تحل المشكلة بطريقة أذكى وأكثر دهاء.

الخطة الشيطانية: البذور المعدلة وراثياً

في التسعينات، طورت مونسانتو بذور معدلة وراثياً مقاومة لمبيد راوند آب، وسمتها "Roundup Ready". الآن المزارعين يقدرون يرشون المبيد على حقولهم كلها، ويموت كل شيء ضار إلا محاصيلهم اللي من بذور مونسانتو (المنقذة).

الوضع عادي صح؟ حل ذكي لمشكلة حقيقية. بس هنا يبان الوجه القبيح.

الفخ الذهبي: تبعية للنهائية وما بعدها

مونسانتو وفرت البذور والمبيدات. ولكن بعدها سجلت براءة اختراع على الجينات المعدلة في البذور، وخلت المزارعين يوقعون عقود تمنعهم من الاحتفاظ بالبذور من المحصول لاستخدامها الموسم الجاي.

إيش يعني؟ معناها إنك كل سنة لازم تشتري بذور جديدة من مونسانتو، وتشتري المبيد ايضا من مونسانتو، وإلا محصولك راح ادراج الرياح.

والأدهى من كذا، إذا جارك استخدم بذور مونسانتو والهواء نقل بعض البذور لأرضك، مونسانتو راح تقاضيك لأنك (سرقت) براءة اختراعها. أيضا لو ماكنت تستخدم منتاجاتهم احتمال كبير ان رش جارك للمبيد راح ينهي محاصيلك لهذي السنه لانك ماستخدمت "راوند اب ريدي"

قصة بيرسي شمايزر: المزارع اللي تحدى الإمبراطورية

واحد من أشهر الحالات هي قصة المزارع الكندي بيرسي شمايزر. الرجال كان يزرع الكانولا لأكثر من ٥٠ سنة، ويحتفظ بالبذور من محصوله كما فعل أجداده لعشرات السنين.

في ١٩٩٨، فوجئ شمايزر برسالة من محامي مونسانتو تخبره إنه (انتهك براءة الاختراع) لأن جينات مونسانتو المسجلة وُجدت في حقله. الرجال ما اشترى بذور مونسانتو قط، بس الرياح والتلقيح الطبيعي نقل البذور من حقول الجيران.

مونسانتو طالبت بتعويضات تصل لـ٤٠٠ ألف دولار كندي. شمايزر قاوم، وقضى سنوات في المحاكم، وخسر في النهاية. المحكمة الكندية العليا قالت إن مونسانتو تملك الجين، حتى لو وصل لأرضك بالغلط. طبعا اليوم كل حقول الكانولا في غرب كندا ملوثة بجينات مونسانتو المسجلة.

تفصيل لعبة الاحتياج: الوصفة السحرية لصنع مونسانتو جديدة.

المكون الأول: خلق المشكلة

مونسانتو ما اخترعت مشكلة الأعشاب الضارة، بس اخترعت حل يخلق مشاكل أكبر. راوند آب يقتل كل شيء، فتصير محتاج بذور خاصة.

المكون الثاني: بيع الحل الوحيد

اذا كنت الشركة الوحيدة اللي تملك البذور المقاومة للمبيد، تصير أنت المصدر الوحيد للحل

المكون الثالث: ضمان التبعية

براءات الاختراع والعقود المقيدة تضمن إن الزبون ما يقدر يستغني عنك.

المكون الرابع: اقضي على البدائل

مونسانتو اشترت أكثر من ١٠٠ شركة بذور، وسيطرت على ٧٠-٩٠٪ من سوق البذور المعدلة وراثياً في أمريكا. المكون الخامس: احم نفسك قانونياً

استثمر في دراسة كل القوانين والامكانيات التي تصب في صالحك.

التأثير المدمر: إذا نجحت في تطبيق لعبة الاحتياج

على المواطنين

مع قصة مونسانتو أسعار البذور ارتفعت بشكل جنوني. الصويا ارتفعت ٣٢٥٪، والذرة ٢٥٩٪، والقطن المعدل وراثياً ارتفع ٥١٦٪ منذ ١٩٩٦. المزارعين صاروا معتمدين بشكل كامل على مونسانتو. في الفلبين، دراسة أظهرت إن المزارعين الفقراء اللي استخدموا بذور مونسانتو دخلوا في ديون مزمنة، والمحاصيل اصلا ما حققت الوعود المطلوبة.

اختفاء التنوع والابداع

التنوع في البذور اختفى. بدل آلاف الأصناف المحلية، صار العالم يعتمد على أصناف محدودة من شركات قليلة.

امتلاك القوة المفرطة لجهة واحدة

دول كاملة صارت معتمدة على شركات البذور للأمن الغذائي. إذا قررت الشركة ترفع الأسعار أو تمنع التوريد، الدولة راح تجوع.

تتوقع ان مونسانتو هي الوحيدة اللي استخدمت هذة اللعبة؟

مونسانتو ماهي الوحيدة في هذه اللعبة. أمازون تسيطر على ٧٤٪ من سوق الكتب الإلكترونية و٦٤٪ من الكتب المطبوعة المباعة أونلاين. آبل تتعمد تصنع أجهزتها بنقص عشان تكمله بمنتجات إضافية من عندهم وانظمة ما تشتغل الا مع منتجاتها، فتضطر تشتري كل شيء منها.

جوجل يسيطر على البحث، فكل الشركات مضطرة تلعب بقوانينه. فيسبوك (ميتا) يسيطر على التواصل الاجتماعي، فالشركات مضطرة تدفع له عشان توصل لعملائها.

رسالة للمسوقين ورواد الأعمال

للمسوقين: قوة النظام البيئي

مونسانتو ما باعت بذور، باعت نظام بيئي متكامل. المبيد + البذور + الخدمات + التمويل. هذا يعلمنا إن أقوى استراتيجيات التسويق هي اللي تخلق تجربة متكاملة للعميل.

لرواد الأعمال: خطورة الاحتكار

مونسانتو تعلمنا إن النجاح في الأعمال ممكن يكون مدمر للمجتمع. القوة المطلقة تفسد مطلقاً، حتى في الأعمال.

للمستهلكين: أهمية التنوع

قصة مونسانتو تعلمنا خطورة الاعتماد على مصدر واحد لأي شيء أساسي في حياتنا.

الختام: لعبة الكل خسران فيها

مونسانتو نجحت في لعبة الاحتياج نجاح باهر. حققت مليارات الدولارات، وسيطرت على قطاع حيوي، وخلت نفسها لا غنى عنها. بس في النهاية، خسارتها كانت فادحة.

الشركة واجهت آلاف الدعاوى القضائية بسبب راوند آب ومخاطره الصحية. شركة باير، اشترت مونسانتو بـ٦٦ مليار دولار، اضطرت تدفع أكثر من ١٠ مليارات دولار تعويضات. الاسم التجاري "مونسانتو" اختفى من الوجود، لكن أثرها باقي.

اليوم، مونسانتو مثال حي على إن أذكى استراتيجيات الأعمال ممكن تكون أكثرها تدميراً للمجتمع. ولعبة الاحتياج، رغم نجاحها المالي، تبقى درس في كيف إن السيطرة على الحاجات الأساسية للناس طريق مختصر للثروة و لكن على حساب كل شيء يرتبط بالانسانية.

وفي النهاية، السؤال اللي يطرح نفسه: هل نبغى نكون أذكياء مثل مونسانتو، ولا نبغى نكون بشر اكثر من مونسانتو؟

Group of people gathered by a rustic wooden fence.

(صنع احتياج مصطنع)، هي استراتيجية تجارية نقدر نقول عنها ماكرة تقوم على مبدأ بسيط: تخلق مشكلة، ثم تبيع الحل. بس المكر الحقيقي تكمن في إنك ما تكتفي بحل المشكلة، بل تخلي الزبون معتمد عليك لدرجة إنه ما يقدر يستغني عنك أبداً.

لعبة الاحتياج: هنا تتعلم كيف تصنع طغيان تجاري

في عالم التسويق والأعمال، هناك استراتيجيات تبان في ظاهرها بريئة وذكية، لكنها في الواقع تمثل أسوء و أشرس أشكال الهيمنة التجارية التي عرفتها البشرية. واليوم راح نتعلم من أستاذ هذه اللعبة - شركة مونسانتو - وكيف تصنع احتياج مصطنع وتبيع الحل، وتخلي العالم كله يسايرك من غير رضاه.

ما هي لعبة الاحتياج؟

لعبة الاحتياج، أو كما يسميها خبراء التسويق (صنع احتياج مصطنع)، هي استراتيجية تجارية نقدر نقول عنها ماكرة تقوم على مبدأ بسيط: تخلق مشكلة، ثم تبيع الحل. بس المكر الحقيقي تكمن في إنك ما تكتفي بحل المشكلة، بل تخلي الزبون معتمد عليك لدرجة إنه ما يقدر يستغني عنك أبداً.

الفكرة ماهي جديدة، لكن مونسانتو أتقنتها لدرجة إنها صارت مرجع لكل من يبغى يتعلم كيف يسيطر على السوق بطريقة (قانونية) على الورق.

قصة مونسانتو: من مبيد إلى السيطرة على الغذاء

البداية النبيلة: راوند آب المعجزة

في السبعينات، طورت مونسانتو مبيد أعشاب اسمه "راوند آب" (Roundup). المبيد كان فعلاً ممتاز يقتل. الأعشاب الضارة ويخلي المحاصيل نظيفة. لكن كان فيه مشكلة وحدة: المبيد يقتل بشكل عشوائي وممكن ياثر على المحاصيل نفسها إذا لامسها.

هنا بدأت اللعبة الحقيقية. بدل ما تحل مونسانتو هذه المشكلة بتطوير مبيد أفضل، قررت تحل المشكلة بطريقة أذكى وأكثر دهاء.

الخطة الشيطانية: البذور المعدلة وراثياً

في التسعينات، طورت مونسانتو بذور معدلة وراثياً مقاومة لمبيد راوند آب، وسمتها "Roundup Ready". الآن المزارعين يقدرون يرشون المبيد على حقولهم كلها، ويموت كل شيء ضار إلا محاصيلهم اللي من بذور مونسانتو (المنقذة).

الوضع عادي صح؟ حل ذكي لمشكلة حقيقية. بس هنا يبان الوجه القبيح.

الفخ الذهبي: تبعية للنهائية وما بعدها

مونسانتو وفرت البذور والمبيدات. ولكن بعدها سجلت براءة اختراع على الجينات المعدلة في البذور، وخلت المزارعين يوقعون عقود تمنعهم من الاحتفاظ بالبذور من المحصول لاستخدامها الموسم الجاي.

إيش يعني؟ معناها إنك كل سنة لازم تشتري بذور جديدة من مونسانتو، وتشتري المبيد ايضا من مونسانتو، وإلا محصولك راح ادراج الرياح.

والأدهى من كذا، إذا جارك استخدم بذور مونسانتو والهواء نقل بعض البذور لأرضك، مونسانتو راح تقاضيك لأنك (سرقت) براءة اختراعها. أيضا لو ماكنت تستخدم منتاجاتهم احتمال كبير ان رش جارك للمبيد راح ينهي محاصيلك لهذي السنه لانك ماستخدمت "راوند اب ريدي"

قصة بيرسي شمايزر: المزارع اللي تحدى الإمبراطورية

واحد من أشهر الحالات هي قصة المزارع الكندي بيرسي شمايزر. الرجال كان يزرع الكانولا لأكثر من ٥٠ سنة، ويحتفظ بالبذور من محصوله كما فعل أجداده لعشرات السنين.

في ١٩٩٨، فوجئ شمايزر برسالة من محامي مونسانتو تخبره إنه (انتهك براءة الاختراع) لأن جينات مونسانتو المسجلة وُجدت في حقله. الرجال ما اشترى بذور مونسانتو قط، بس الرياح والتلقيح الطبيعي نقل البذور من حقول الجيران.

مونسانتو طالبت بتعويضات تصل لـ٤٠٠ ألف دولار كندي. شمايزر قاوم، وقضى سنوات في المحاكم، وخسر في النهاية. المحكمة الكندية العليا قالت إن مونسانتو تملك الجين، حتى لو وصل لأرضك بالغلط. طبعا اليوم كل حقول الكانولا في غرب كندا ملوثة بجينات مونسانتو المسجلة.

تفصيل لعبة الاحتياج: الوصفة السحرية لصنع مونسانتو جديدة.

المكون الأول: خلق المشكلة

مونسانتو ما اخترعت مشكلة الأعشاب الضارة، بس اخترعت حل يخلق مشاكل أكبر. راوند آب يقتل كل شيء، فتصير محتاج بذور خاصة.

المكون الثاني: بيع الحل الوحيد

اذا كنت الشركة الوحيدة اللي تملك البذور المقاومة للمبيد، تصير أنت المصدر الوحيد للحل

المكون الثالث: ضمان التبعية

براءات الاختراع والعقود المقيدة تضمن إن الزبون ما يقدر يستغني عنك.

المكون الرابع: اقضي على البدائل

مونسانتو اشترت أكثر من ١٠٠ شركة بذور، وسيطرت على ٧٠-٩٠٪ من سوق البذور المعدلة وراثياً في أمريكا. المكون الخامس: احم نفسك قانونياً

استثمر في دراسة كل القوانين والامكانيات التي تصب في صالحك.

التأثير المدمر: إذا نجحت في تطبيق لعبة الاحتياج

على المواطنين

مع قصة مونسانتو أسعار البذور ارتفعت بشكل جنوني. الصويا ارتفعت ٣٢٥٪، والذرة ٢٥٩٪، والقطن المعدل وراثياً ارتفع ٥١٦٪ منذ ١٩٩٦. المزارعين صاروا معتمدين بشكل كامل على مونسانتو. في الفلبين، دراسة أظهرت إن المزارعين الفقراء اللي استخدموا بذور مونسانتو دخلوا في ديون مزمنة، والمحاصيل اصلا ما حققت الوعود المطلوبة.

اختفاء التنوع والابداع

التنوع في البذور اختفى. بدل آلاف الأصناف المحلية، صار العالم يعتمد على أصناف محدودة من شركات قليلة.

امتلاك القوة المفرطة لجهة واحدة

دول كاملة صارت معتمدة على شركات البذور للأمن الغذائي. إذا قررت الشركة ترفع الأسعار أو تمنع التوريد، الدولة راح تجوع.

تتوقع ان مونسانتو هي الوحيدة اللي استخدمت هذة اللعبة؟

مونسانتو ماهي الوحيدة في هذه اللعبة. أمازون تسيطر على ٧٤٪ من سوق الكتب الإلكترونية و٦٤٪ من الكتب المطبوعة المباعة أونلاين. آبل تتعمد تصنع أجهزتها بنقص عشان تكمله بمنتجات إضافية من عندهم وانظمة ما تشتغل الا مع منتجاتها، فتضطر تشتري كل شيء منها.

جوجل يسيطر على البحث، فكل الشركات مضطرة تلعب بقوانينه. فيسبوك (ميتا) يسيطر على التواصل الاجتماعي، فالشركات مضطرة تدفع له عشان توصل لعملائها.

رسالة للمسوقين ورواد الأعمال

للمسوقين: قوة النظام البيئي

مونسانتو ما باعت بذور، باعت نظام بيئي متكامل. المبيد + البذور + الخدمات + التمويل. هذا يعلمنا إن أقوى استراتيجيات التسويق هي اللي تخلق تجربة متكاملة للعميل.

لرواد الأعمال: خطورة الاحتكار

مونسانتو تعلمنا إن النجاح في الأعمال ممكن يكون مدمر للمجتمع. القوة المطلقة تفسد مطلقاً، حتى في الأعمال.

للمستهلكين: أهمية التنوع

قصة مونسانتو تعلمنا خطورة الاعتماد على مصدر واحد لأي شيء أساسي في حياتنا.

الختام: لعبة الكل خسران فيها

مونسانتو نجحت في لعبة الاحتياج نجاح باهر. حققت مليارات الدولارات، وسيطرت على قطاع حيوي، وخلت نفسها لا غنى عنها. بس في النهاية، خسارتها كانت فادحة.

الشركة واجهت آلاف الدعاوى القضائية بسبب راوند آب ومخاطره الصحية. شركة باير، اشترت مونسانتو بـ٦٦ مليار دولار، اضطرت تدفع أكثر من ١٠ مليارات دولار تعويضات. الاسم التجاري "مونسانتو" اختفى من الوجود، لكن أثرها باقي.

اليوم، مونسانتو مثال حي على إن أذكى استراتيجيات الأعمال ممكن تكون أكثرها تدميراً للمجتمع. ولعبة الاحتياج، رغم نجاحها المالي، تبقى درس في كيف إن السيطرة على الحاجات الأساسية للناس طريق مختصر للثروة و لكن على حساب كل شيء يرتبط بالانسانية.

وفي النهاية، السؤال اللي يطرح نفسه: هل نبغى نكون أذكياء مثل مونسانتو، ولا نبغى نكون بشر اكثر من مونسانتو؟

Group of people gathered by a rustic wooden fence.

(صنع احتياج مصطنع)، هي استراتيجية تجارية نقدر نقول عنها ماكرة تقوم على مبدأ بسيط: تخلق مشكلة، ثم تبيع الحل. بس المكر الحقيقي تكمن في إنك ما تكتفي بحل المشكلة، بل تخلي الزبون معتمد عليك لدرجة إنه ما يقدر يستغني عنك أبداً.

لعبة الاحتياج: هنا تتعلم كيف تصنع طغيان تجاري

في عالم التسويق والأعمال، هناك استراتيجيات تبان في ظاهرها بريئة وذكية، لكنها في الواقع تمثل أسوء و أشرس أشكال الهيمنة التجارية التي عرفتها البشرية. واليوم راح نتعلم من أستاذ هذه اللعبة - شركة مونسانتو - وكيف تصنع احتياج مصطنع وتبيع الحل، وتخلي العالم كله يسايرك من غير رضاه.

ما هي لعبة الاحتياج؟

لعبة الاحتياج، أو كما يسميها خبراء التسويق (صنع احتياج مصطنع)، هي استراتيجية تجارية نقدر نقول عنها ماكرة تقوم على مبدأ بسيط: تخلق مشكلة، ثم تبيع الحل. بس المكر الحقيقي تكمن في إنك ما تكتفي بحل المشكلة، بل تخلي الزبون معتمد عليك لدرجة إنه ما يقدر يستغني عنك أبداً.

الفكرة ماهي جديدة، لكن مونسانتو أتقنتها لدرجة إنها صارت مرجع لكل من يبغى يتعلم كيف يسيطر على السوق بطريقة (قانونية) على الورق.

قصة مونسانتو: من مبيد إلى السيطرة على الغذاء

البداية النبيلة: راوند آب المعجزة

في السبعينات، طورت مونسانتو مبيد أعشاب اسمه "راوند آب" (Roundup). المبيد كان فعلاً ممتاز يقتل. الأعشاب الضارة ويخلي المحاصيل نظيفة. لكن كان فيه مشكلة وحدة: المبيد يقتل بشكل عشوائي وممكن ياثر على المحاصيل نفسها إذا لامسها.

هنا بدأت اللعبة الحقيقية. بدل ما تحل مونسانتو هذه المشكلة بتطوير مبيد أفضل، قررت تحل المشكلة بطريقة أذكى وأكثر دهاء.

الخطة الشيطانية: البذور المعدلة وراثياً

في التسعينات، طورت مونسانتو بذور معدلة وراثياً مقاومة لمبيد راوند آب، وسمتها "Roundup Ready". الآن المزارعين يقدرون يرشون المبيد على حقولهم كلها، ويموت كل شيء ضار إلا محاصيلهم اللي من بذور مونسانتو (المنقذة).

الوضع عادي صح؟ حل ذكي لمشكلة حقيقية. بس هنا يبان الوجه القبيح.

الفخ الذهبي: تبعية للنهائية وما بعدها

مونسانتو وفرت البذور والمبيدات. ولكن بعدها سجلت براءة اختراع على الجينات المعدلة في البذور، وخلت المزارعين يوقعون عقود تمنعهم من الاحتفاظ بالبذور من المحصول لاستخدامها الموسم الجاي.

إيش يعني؟ معناها إنك كل سنة لازم تشتري بذور جديدة من مونسانتو، وتشتري المبيد ايضا من مونسانتو، وإلا محصولك راح ادراج الرياح.

والأدهى من كذا، إذا جارك استخدم بذور مونسانتو والهواء نقل بعض البذور لأرضك، مونسانتو راح تقاضيك لأنك (سرقت) براءة اختراعها. أيضا لو ماكنت تستخدم منتاجاتهم احتمال كبير ان رش جارك للمبيد راح ينهي محاصيلك لهذي السنه لانك ماستخدمت "راوند اب ريدي"

قصة بيرسي شمايزر: المزارع اللي تحدى الإمبراطورية

واحد من أشهر الحالات هي قصة المزارع الكندي بيرسي شمايزر. الرجال كان يزرع الكانولا لأكثر من ٥٠ سنة، ويحتفظ بالبذور من محصوله كما فعل أجداده لعشرات السنين.

في ١٩٩٨، فوجئ شمايزر برسالة من محامي مونسانتو تخبره إنه (انتهك براءة الاختراع) لأن جينات مونسانتو المسجلة وُجدت في حقله. الرجال ما اشترى بذور مونسانتو قط، بس الرياح والتلقيح الطبيعي نقل البذور من حقول الجيران.

مونسانتو طالبت بتعويضات تصل لـ٤٠٠ ألف دولار كندي. شمايزر قاوم، وقضى سنوات في المحاكم، وخسر في النهاية. المحكمة الكندية العليا قالت إن مونسانتو تملك الجين، حتى لو وصل لأرضك بالغلط. طبعا اليوم كل حقول الكانولا في غرب كندا ملوثة بجينات مونسانتو المسجلة.

تفصيل لعبة الاحتياج: الوصفة السحرية لصنع مونسانتو جديدة.

المكون الأول: خلق المشكلة

مونسانتو ما اخترعت مشكلة الأعشاب الضارة، بس اخترعت حل يخلق مشاكل أكبر. راوند آب يقتل كل شيء، فتصير محتاج بذور خاصة.

المكون الثاني: بيع الحل الوحيد

اذا كنت الشركة الوحيدة اللي تملك البذور المقاومة للمبيد، تصير أنت المصدر الوحيد للحل

المكون الثالث: ضمان التبعية

براءات الاختراع والعقود المقيدة تضمن إن الزبون ما يقدر يستغني عنك.

المكون الرابع: اقضي على البدائل

مونسانتو اشترت أكثر من ١٠٠ شركة بذور، وسيطرت على ٧٠-٩٠٪ من سوق البذور المعدلة وراثياً في أمريكا. المكون الخامس: احم نفسك قانونياً

استثمر في دراسة كل القوانين والامكانيات التي تصب في صالحك.

التأثير المدمر: إذا نجحت في تطبيق لعبة الاحتياج

على المواطنين

مع قصة مونسانتو أسعار البذور ارتفعت بشكل جنوني. الصويا ارتفعت ٣٢٥٪، والذرة ٢٥٩٪، والقطن المعدل وراثياً ارتفع ٥١٦٪ منذ ١٩٩٦. المزارعين صاروا معتمدين بشكل كامل على مونسانتو. في الفلبين، دراسة أظهرت إن المزارعين الفقراء اللي استخدموا بذور مونسانتو دخلوا في ديون مزمنة، والمحاصيل اصلا ما حققت الوعود المطلوبة.

اختفاء التنوع والابداع

التنوع في البذور اختفى. بدل آلاف الأصناف المحلية، صار العالم يعتمد على أصناف محدودة من شركات قليلة.

امتلاك القوة المفرطة لجهة واحدة

دول كاملة صارت معتمدة على شركات البذور للأمن الغذائي. إذا قررت الشركة ترفع الأسعار أو تمنع التوريد، الدولة راح تجوع.

تتوقع ان مونسانتو هي الوحيدة اللي استخدمت هذة اللعبة؟

مونسانتو ماهي الوحيدة في هذه اللعبة. أمازون تسيطر على ٧٤٪ من سوق الكتب الإلكترونية و٦٤٪ من الكتب المطبوعة المباعة أونلاين. آبل تتعمد تصنع أجهزتها بنقص عشان تكمله بمنتجات إضافية من عندهم وانظمة ما تشتغل الا مع منتجاتها، فتضطر تشتري كل شيء منها.

جوجل يسيطر على البحث، فكل الشركات مضطرة تلعب بقوانينه. فيسبوك (ميتا) يسيطر على التواصل الاجتماعي، فالشركات مضطرة تدفع له عشان توصل لعملائها.

رسالة للمسوقين ورواد الأعمال

للمسوقين: قوة النظام البيئي

مونسانتو ما باعت بذور، باعت نظام بيئي متكامل. المبيد + البذور + الخدمات + التمويل. هذا يعلمنا إن أقوى استراتيجيات التسويق هي اللي تخلق تجربة متكاملة للعميل.

لرواد الأعمال: خطورة الاحتكار

مونسانتو تعلمنا إن النجاح في الأعمال ممكن يكون مدمر للمجتمع. القوة المطلقة تفسد مطلقاً، حتى في الأعمال.

للمستهلكين: أهمية التنوع

قصة مونسانتو تعلمنا خطورة الاعتماد على مصدر واحد لأي شيء أساسي في حياتنا.

الختام: لعبة الكل خسران فيها

مونسانتو نجحت في لعبة الاحتياج نجاح باهر. حققت مليارات الدولارات، وسيطرت على قطاع حيوي، وخلت نفسها لا غنى عنها. بس في النهاية، خسارتها كانت فادحة.

الشركة واجهت آلاف الدعاوى القضائية بسبب راوند آب ومخاطره الصحية. شركة باير، اشترت مونسانتو بـ٦٦ مليار دولار، اضطرت تدفع أكثر من ١٠ مليارات دولار تعويضات. الاسم التجاري "مونسانتو" اختفى من الوجود، لكن أثرها باقي.

اليوم، مونسانتو مثال حي على إن أذكى استراتيجيات الأعمال ممكن تكون أكثرها تدميراً للمجتمع. ولعبة الاحتياج، رغم نجاحها المالي، تبقى درس في كيف إن السيطرة على الحاجات الأساسية للناس طريق مختصر للثروة و لكن على حساب كل شيء يرتبط بالانسانية.

وفي النهاية، السؤال اللي يطرح نفسه: هل نبغى نكون أذكياء مثل مونسانتو، ولا نبغى نكون بشر اكثر من مونسانتو؟

النشرة البريدية